عزيزي القارئ،
أنا ممن يؤمنون بضرورة الفرصة الثانية، ولستُ أبحث في علاقاتي عن مثاليةٍ مطلقةٍ تُنافي بشريتنا؛ فنحن لسنا ملائكةً.
أنا مع العتاب الشجاع، ومع الإشارة المباشرة لمكامن القلق ومخاوفنا الدفينة.
إنني ضد تلك المنشورات التي تفيض بها منصات التواصل الاجتماعي، والتي تُنافي المشاعر الفطرية، وتغتال العفوية حتى بين الأشقاء وأفراد العائلة الواحدة؛ تلك الدعوات الجوفاء التي ترفع شعاراتٍ مثل:
«لا تعاتب»، «ارحل بصمت»، «اعتزل ما يؤذيك»،
وتُحرّض الناس على القطيعة بدلًا من الوصال.
منشوراتٌ تُصفّق للوحدة، وتُروّج للألاعيب النفسية الملتوية، متناسيةً أن «الإنسان بالإنسان»، ولا أقصد بذلك الاتكاء المفرط، بل القرب الآمن والمريح، حتى تحوّلت العلاقات إلى ساحةِ حروبٍ بسببها.
صدقني، إن المرة الأولى التي تفتح فيها قلبك لصديقٍ لا تودّ خسارته، لتُحدّثه عن موقفٍ آلمك منه، هي اللحظة التي تمدّ فيها يدك لتلمس خوفك فلا تجده.
ستشعر بثقلٍ يُزاح عن صدرك، لتستبدله خفّةً وراحةً، وستجد نفسك أكثر تحرّرًا وتصالحًا مع ذاتك ومع الآخرين.
دعك من هراء «تيك توك» ونصائحه الفارغة التي تُمجّد الغموض وتدعم الكتمان؛ فربما لم يقصد الطرف الآخر الإساءة، وربما كان الجرح وهمًا ننسجه في خيالاتنا، أو وليدَ شعورٍ بالدونية نابعٍ من تجارب قديمةٍ ملتصقةٍ بوعينا الجديد.
إننا بحاجةٍ لخوض نقاشاتٍ صريحةٍ حول احتياجاتنا، بدل تلك الابتسامات الصفراء الزائفة التي تشبه أقنعة «خدمة العملاء»، خلف كلماتٍ باردةٍ مثل:
«أنا بخير»، أو «لا شيء بي»،
حتى نفقد الأشياء التي نحبها بصمتٍ باهتٍ وموجعٍ للنخاع، متظاهرين بعدم الاكتراث، هاربين من مواجهة النقاش إلى عارِ الفراق.
في كل علاقةٍ عميقةٍ، ستهبُّ رياحٌ لا تشبه رياحنا، وسنشعر أحيانًا بضعف أجنحتنا أمام تياراتها، لكن بالتعوّد والمصارحة ستخفّ حدّتها حتى تتلاشى، لنجد حلًّا وسطًا يُرضي الطرفين، خاصةً إذا كان الشخص يستحق التمسّك به.
لكن ورغم إيماني بأن العلاقات ليست معادلةً رياضيةً جامدة، وبضرورة منح السبعين عذرًا،
إلا أنه بعد المصارحة المباشرة وتوضيح مواضع الوجع، إذا وجدت الطرف الآخر يتعامى عن جرحك، وينكر حقك في التعبير، ويمارس نرجسيته تعمّدًا وتكرارًا…
فَاترك.
بشكلٍ قاطعٍ،
وبرضًا تام.
للأبد
ضُحى قرقوم

