يسألني ابني ذو الخمس سنوات، ونحن على متن قارب صغير وسط البحر للهجرة:
“هل سوف نموت يا بابا؟”
أحضنه بشدة داخل صدري، لأمنع عينيه من تأمل رهبة البحر، وأبدأ بالهمس في أذنيه بصوت يرتعش خوفًا، مليئًا بالدموع المكتومة:
“يلا تنام، يلا تنام
وأهديلك طير الحمام
روح يا حمام، لا تصدّق
نضحك عالحلو لينام”
يسألني مرة أخرى، متجاهلًا محاولاتي لتشتيت انتباهه، كأنه يعتقد أنني لم أفهم سؤاله في المرة الأولى:
“هل سوف نغرق يا بابا؟”
“يلا تنام، يلا تنام
وأهديلك طير الحمام
روح يا حمام، لا تصدّق
نضحك عالحلو لينام”
أقاوم صعوبة التنفس التي تجتاحني، وأغني له رغم الألم الشديد في منطقة الصدر، حيث يضع طفلي رأسه تحديدًا. فمي جاف، ونبضات قلبي تتسارع، وأحاول السيطرة على نفسي حتى لا أنهار، وينهار ابني معي.
أشبك يدي بيديه بقوة، وأقول بأعلى صوت:
“يا مجيب!”
أعرف مدى سوء قرار الهجرة، وركوب هذا القارب، وترك هذا المشهد في ذاكرة طفلي، يتيم الأم.
أعلم أننا هناك كنا سوف نموت، لكنني أعلم أننا ربما هنا نموت أيضًا..
تتعالى الأصوات من حولي؛ نساء أرامل، وأطفال، ورجال مسنون:
“يا مجيب!”
لم يسع أي لاجئ في القارب، رغم اختلاف الفئات العمرية، إلا أن يبحث عن المجيب.
نحن جميعًا على القارب خائفون.
أقول لابني: “لا تخاف”، وأنا أرتجف خوفًا!
حقائبنا على أكتافنا، لكن أعيننا تنظر خلفنا..
تنظر إلى بلادي؛ مسقط رأسي، أول حب، أول حضن، أول شهادة، وأغلى شيء في حياتي تركته خلفي..
جثة زوجتي الغالية، مدفونة في وطني.
أمسح دموع ابني الذي ترتعش أطراف جسده من البرد، وأتظاهر بالقوة أمامه، وأنا أبكي بداخلي بكاءً مريرًا، حتى يكاد يخرج قلبي من الأسى.
يرتمي في حضني ويسألني للمرة الأخيرة:
“هل سوف نموت يا أبي؟”
صراع رهيب بين قوتين في داخلي، تتصارعان بقوة.
أضعف أم أتماسك أمامه؟
جزء مني يريدنا أن نموت، والآخر يريد لنا الحياة..
وأنا لا أشعر بالانتماء الحقيقي لأيٍّ منهما.
أنا فقط أريد الاطمئنان لي ولطفلي!
هل ما أسأله مستحيل؟!
ورغم أنهما متعادلتان داخلي في القوة، كان يجب أن أهزم إحداهما.
نعيش أم نموت؟
نعيش أم نموت؟
نعيش أم نموت؟
هذا السؤال يأكل عقلي أنا أيضًا.
أريد العيش، وخائف جدًا من الموت.
لكنني أريد الموت؛ لأنني خائف جدًا من الحياة التي تنتظرني.
ضائع، مبعثر، في حاجة شديدة إلى جواب عن سؤال ابني وسؤالي.
أحتاج بشدة أنا أيضًا أن أعود طفلًا، ويجيبني أبي عن ذلك السؤال..
هذه المهمة في الرد عليه تبدو لي مستحيلة.
لأن الفكرة ليست في أن ينجو من الغرق فقط..
القصة، كل القصة، هي:
كيف أستطيع أن أوثّق علاقته بالبحر، لتعود طبيعية بعد ذلك الموقف؟
“يلا تنام، يلا تنام
وأهديلك طير الحمام

